ابن أبي الحديد
169
شرح نهج البلاغة
فهرب ، فقال مصعب : ليظهر سالما ، وليأخذ عطاءه موفورا ، أيظن أني أقتله بأبي عبد الله وأجعله فداء له ! فكان هذا من الكبر المستحسن . كان ابن جرموز يدعو لدنياه ، فقيل له : هلا دعوت لآخرتك ؟ فقال : أيست من الجنة . الزبير أول من شهر سيفه في سبيل الله ، قيل له في أول الدعوة ، قد قتل رسول الله ، فخرج وهو غلام يسعى بسيفه مشهورا . * * * وروى الزبير بن بكار في " الموفقيات ( 1 ) " قال : لما سار علي عليه السلام إلى البصرة ، بعث ابن عباس فقال : ائت الزبير ، فاقرأ عليه السلام ، وقل له : يا أبا عبد الله ، كيف عرفتنا بالمدينة وأنكرتنا بالبصرة ! فقال ابن عباس : أفلا آتي طلحة ؟ قال : لا ، إذا تجده عاقصا قرنه في حزن ، يقول : هذا سهل . قال : فأتيت الزبير ، فوجدته في بيت يتروح في يوم حار وعبد الله ابنه عنده فقال : مرحبا بك يا بن لبابة ، أجئت زائرا أم سفيرا ؟ قلت : كلا ، إن ابن خالك يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : يا أبا عبد الله ، كيف عرفتنا بالمدينة ، وأنكرتنا بالبصرة ! فقال : علقتهم أني خلقت عصبه * قتادة تعلقت بنشبه . لن أدعهم حتى أؤلف بينهم ! قال : فأردت منه جوابا غير ذلك ، فقال لي ابنه عبد الله : قل له بيننا وبينك دم خليفة ، ووصية خليفة ، واجتماع اثنين ، وانفراد واحد ، وأم مبرورة ، ومشاورة العشيرة . قال : فعلمت أنه ليس وراء هذا الكلام إلا الحرب ، فرجعت إلى علي عليه السلام فأخبرته .
--> ( 1 ) كتاب الموفقيات في الاخبار ، ألفه الزبير بن بكار للموفق بالله ، وهو الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، كان علامة نسابة ، وكتبه في الأنساب عليها الاعتماد . توفي سنة 256 . معجم الأدباء 11 : 161 .